منتديات بيرق الحق الاسلامية
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يا*** واهلا وسهلا فيك نورت المنتدى***


يهتم بكل ما يخص الاسلام والمسلمين
 
الرئيسيةالبوابةالتسجيلدخول
حياكم الله جميعا وأهلا وسهلا
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك
أكثروا من قول*لا اله الاالله*محمد رسول الله*

*واللي ما يصون ترابو والله ما هو من رجالها*
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
ازرار التصفُّح
 البوابة
 الصفحة الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 ابحـث
منتدى
التبادل الاعلاني
احداث منتدى مجاني
سحابة الكلمات الدلالية
الله اكبر نغمة الا بدون سورية ايقاع البحر لا الاقصى نشيد اله موال الوعد اناشيد البوم فرقة فلسطين حماس رمضان سورة افراح القسام نغمات محمد كتائب
ازرار التصفُّح
 البوابة
 الصفحة الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 ابحـث
Like/Tweet/+1
Like/Tweet/+1

شاطر | 
 

 أنواع الطواف وأحكامه

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
البيرق الاخضر
المشرف العام
المشرف العام


5061

البطاقة البيرقية
الرتبة: 1
الجنسية: فلسطيني

مُساهمةموضوع: أنواع الطواف وأحكامه   الثلاثاء فبراير 05, 2013 1:35 am


بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أنواع الطواف وأحكامه
الثلاثاء 27 ذو القعدة 1432
د. عبد الله بن إبراهيم الزاحم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إلـه إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. أما بعد:
فإن فريضة الحج من أهم العبادات فهي ركن من أركان الإسلام، وإن كانت سائر الأركان وبقية أعمال الإسلام لا ترتبط بمكان، حيث يؤدي المسلمون صلواتهم، وصيامهم، وزكاة أموالهم في كل مكان، فإن الحج يرتبط بمكان معين. بل ولا بد أن يكون في زمان معين أيضا، وإذا عرفنا كثرة المسلمين ونظرنا إلى سعة انتشار المسلمين شرقا وغربا زاد يقيننا بحكمة خالقنا وعلمه ورحمته بعباده إذ لم يفرض عليهم حج بيته العتيق في كل عام وإنما أوجبه عليهم مرة واحدة في العمر وجعل ذلك مقيدا بالقدرة والاستطاعة إلى وصول بيته العتيق كما قال تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا ﴾ [سورة آل عمران آية 97].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ) خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت، حتى قالها ثلاثا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم، ثم قال: ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه (.
فلما كان الحج من الأهمية بتلك المكانة، ومن الصعوبة والمشقة ما يعجز عن تكراره كثير من المسلمين أحببت أن أقف على شئ من أفعاله بدراسة هادئة متأنية، أنظر في أقوال أصحاب المذاهب المختلفة وما استدل به كل فريق، وأوازن بين ذلك، جاعلا نصب عيني الميل مع الدليل، دون تعصب لمذهب، أو انتصار لقائل. ورأيت أن أهم أعمال الحج والعمرة الطواف ببيت الله العتيق، فهو الركن الوحيد المجمع عليه فيهما، فآثرت البدأ به. ثم اطلعت على بحث كتبه الدكتور شرف بن علي الشريف الأستاذ المساعد بجامعة أم القرى بعنوان: من أحكام الطواف، السنن.
فازداد إقبالي على الكتابة في الموضوع، وإن كتابة الدكتور: شرف تجعل من المناسب تقسيم الكتابة في موضوع الطواف إلى ثلاثة أقسام - فصول -.
القسم الأول: في أنواع الطواف وأحكامه.
القسم الثاني: شروط الطواف وواجباته.
القسم الثالث: سنن الطواف وآدابه.
فالدكتور شرف تناول القسم الثالث. وسأتناول في هذه الدراسة القسم الأول. ويبقى القسم الثاني مجالا للكتابة من أحدنا، أو من غيرنا من الزملاء، وإني بعون الله عازم على الكتابة فيه لأهميته وما فيه من مسائل تستدعي الوقوف والنظر. وقد قسمت هذا البحث إلى مقدمة وتمهيد وثلاثة مباحث وخاتمة.
المقدمة: وقد ضمنتها الافتتاحية وبيان أهمية الموضوع وخطته.
التمهيد: ويشتمل على ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: في تعريف الطواف.
المطلب الثاني: في دليل مشروعيته.
المطلب الثالث: في حكـم الطواف بغير بيت الله العتيق.
المبحث الأول: طواف القدوم. ويشتمل على ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: طواف المعتمر.
المطلب الثاني: طواف المفرد.
المطلب الثالث: طواف القارن.
المبحث الثاني: طواف الإفاضة.
ويشتمل على ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: حكمه.
المطلب الثاني: وقته.
المطلب الثالث: ماذا يترتب عليه؟
المبحث الثالث: طواف الوداع. ويشتمل على مطلبين:
المطلب الأول: حكمه وعلى من يكون.
المطلب الثاني: وقته وماذا يلزم من خرج ولم يودع؟
الخاتمة: وتشتمل على خلاصة البحث ونتائجه.
وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يكون هذا البحث خالصا لوجهه الكريم، وأن ينفع به من كتبه أو اطلع عليه، وما كان فيه من صواب فمن توفيق الله، وما كان فيه من خطأ فمني، سائلا الله أن يغفره لي وأرجو ممن وقف على خطأ فيه أو تقصير أن لا يتردد في إهداء ذلك إلي، وله مني الدعاء، والثناء الحسن. وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
التمهيد
التمهيد: في تعريف الطواف، ودليل مشروعيته، وحكم الطواف بغير بيت الله العتيق سأتناول دراسة هذا التمهيد في ثلاثة مطالب وهي:
المطلب الأول: في تعريف الطواف.
المطلب الثاني: في دليل مشروعيته.
المطلب الثالث: في حكـم الطواف بغير بيت الله العتيق.
المطلب الأول: تعريف الطواف:
أولا: في اللغة:
الطواف مصدر طاف بالشيء أي ألم به. ويقال: طاف حول الكعبة وبها طوفا، وطوافا، وطوفانا، وتطوف، واستطاف، وطوف كله بمعنى. أي: دار حولها واستدار عليها. ومنه قوله تعالى: ﴿ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ﴾ [سورة الحج آية 29]. والمطاف: موضع الطواف حول الكعبة.
وفي اللسان: أطاف فلان بالأمر: إذا أحاط به. وفي التنزيل: ﴿ وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ ﴾ [سورة الإنسان آية 15]. وأطاف به وعليه: طرقه ليلا، وفي التنزيل: ﴿ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ ﴾ [سورة القلم آية 19]، والطواف: الخادم.
وفي الحديث في الهرة ) ليست الهرة بنجس إنما هي من الطوافين عليكم أو الطوافات (. قال أبو عبيد: إنما جعلها بمنزلة المماليك ألا تسمع قول الله عز وجل: ﴿ لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾ [سورة النور آية 58] إلى قوله: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ ﴾ [سورة النور آية 58]، وقال تعالى في موضع آخر: ﴿ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ ﴾ [سورة الإنسان آية 19] فهؤلاء الخدم).
والطوف: النجو، وفي حديث ابن عباس رضي الله عنه: ) لا يصلين أحدكم وهو يدافع الطوف (. وفي اللسان: طاف يطوف، واطاف اطيافا: تغوط، وذهب إلى البراز.
والطوف: قرب ينفخ فيها، ثم يشد بعضها إلى بعض، ويجعل عليها خشب حتى تصير كهيئة سطح فوق الماء، والجمع (أطواف) مثل ثوب وأثواب.
ومما تقدم تبين لنا: أن الطواف بالشيء، أو عليه، أو حوله، تعني: ألم به، واستدار عليه ودار حوله. ومنه أخذ الطواف حول البيت، لأنه دوران حوله واستدارة عليه وإلمام به.
ثانيا: في الاصطلاح:
لم أقف بعد البحث على تعريف للطواف في كتب الفقه، والذي يظهر أن سبب ذلك يرجع إلى أن الطواف في الاصطلاح لم يخرج عن تعريفه اللغوي، وإنما خصه بمكان وهو بيت الله الحرام، وأن يكون على صفة مخصوصة، فليس كل دوران حول الكعبة المشرفة يسمى طوافا. ولهذا يمكن تعريفه بأنه: الدوران حول الكعبة بصفة مخصوصة.
المطلب الثاني: دليل مشروعية الطواف:
نعني بالطواف هنا الطواف المعهود ببيت الله العتيق. والأدلة على ذلك من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والإجماع.
أولا: الأدلة من الكتاب الكريم منها:
1 - قوله تعالى: ﴿ وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴾ [سورة البقرة آية 125].
2 - قوله تعالى: ﴿ وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴾ [سورة الحج آية 26].
والآيتان وإن كانتا خطابا لنبي الله وخليله إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام، فإنهما دالتان على مشروعية الطواف ببيت الله العتيق، وأنه كان من العبادات التي يتعبد الله بها في الأمم السابقة.
3 - وقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ﴾ [سورة الحج آية 29]، وهذه الآية الأمر فيها موجه لهذه الأمة أعني: أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فأمر الله عز وجل الحجاج بالطواف ببيته العتيق. فدل ذلك على مشروعيته.
وسيأتي الكلام على المراد بهذا الطواف وبيان حكمه.
ثانيا: الأدلة من السنة المطهرة:
الأدلة من السنة على أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف بالبيت العتيق أو أمر بذلك كثيرة جدا، وليس المراد هنا حصرها، وإنما الإشارة إلى شيء منها ليستدل به على مشروعية الطواف وسأكتفي بإيراد ثلاثة منها هي:
1 - حديث عائشة رضي الله عنها: ) أن أول شيء بدأ به حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم أنه توضأ ثم طاف ( متفق عليه.
2 - حديث جابر رضي الله عنه في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم وفيه: ) ... حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا... ( الحديث أخرجه مسلم.
3 - حديث ابن عمر رضي الله عنه: ) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا طاف في الحج أو العمرة أول ما يقدم سعى ثلاثة أطواف، ومشى أربعة، ثم سجد سجدتين، ثم يطوف بين الصفا والمروة ( متفق عليه.
ثالثا: الإجماع:
لا خلاف بين العلماء على مشروعية الطواف، خاصة بعد الأمر به في كتاب الله الكريم، وتظافر الأدلة من السنة؛ بل تواترها على طواف النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم أجمعين. ومع هذا فقد صرح بعض العلماء بالإجماع على مشروعية الطواف، وإن اكتفوا بالإشارة إلى بعض أنواعه كطواف الإفاضة، فالإجماع على فريضة طواف الإفاضة إجماع على مشروعية الطواف.
يقول ابن حزم رحمه الله: ) وأجمعوا أن الطواف الآخر المسمى طواف الإفاضة بالبيت والوقوف بعرفة فرض (.
وقال النووي: (أجمع العلماء على أن هذا الطواف هو طواف الإفاضة ركن من أركـان الحج لا يصح الحج إلا به).
وقال الموفق ابن قدامة: (طواف الزيارة، وهو ركن الحج، لا يتم إلا به بغير خلاف).
المطلب الثالث: حكم الطواف بغير بيت الله العتيق:
سبقت الإشارة إلى أن الطواف ببيت الله العتيق مما أمر الله به عباده وتعبدهم به، بل جعل بناء الإسلام قائما عليه، فالحج أحد أركان الإسلام الخمسة، كـما دل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾ [سورة آل عمران آية 97].
وحديث عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ) بني الإسلام على خمس، شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان ( متفق عليه.
وحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: ) خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا (... الحديث.
ولا يتم الحج إلا بالطواف - أعني طواف الإفاضة - للإجماع على أنه ركن من أركان الحج لا يتم إلا به. ولم يأمر الله جل وعلا عباده بالطواف بغير بيته العتيق.
وبهذا يعلم أن الطواف بغير بيت الله العتيق كالطواف على القبور والأضرحة لا يخلو من أحد أمرين:
الأول: أن يكون قصده من هذا الطواف التقرب إلى الله جل وعلا معتقدا أن ذلك مما يقرب إلى الله سبحانه وتعالى فهذا ابتداع في دين الله وضلالة عن طريق الهدى والرشاد، ومنكر عظيم يجب التحذير منه. ؛ لأنه مفض إلى الأمر الثاني. ذلك أن الله جل وعلا قد أكـمل دينه الذي ارتضاه لعباده فما من شيء يقرب إلى الله سبحانه وتعالى إلا وقد أبانه ودل عليه رسوله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا ﴾ [سورة المائدة آية 3].
قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: (هذه أكبر نعم الله تعالى على هذه الأمة حيث أكمل تعالى لهم دينهم فلا يحتاجون إلى دين غيره، ولا إلى نبي غير نبيهم صلوات الله وسلامه عليه، ولا دين إلا ما شرعه، وكل شيء أخبر به فهو حق وصدق، لا كذب فيه ولا خلف).
ويقول ابن سعدي رحمه الله في تفسيره: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ [سورة المائدة آية 3] بتمام النصر وتكميل الشرائع الظاهرة والباطنة، الأصول والفروع، ولهذا كان الكتاب والسنة كافيين كل الكفاية في أحكام الدين وأصوله وفروعه).
وقد حذر الله عباده أن يسلكوا طريق الأمم السابقة فيحلوا ويحرموا من تلقاء أنفسهم، أو يشرعوا من أنواع العبادات والقراءات ما لم يأذن به الله وإنما حسنته أهواؤهم وزينته عقولهم، فقال تعالى: ﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ﴾ [سورة الشورى آية 21]. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم شديد التحذير لأمته من سلوك هذه الطريق الذي سلكته الأمم السابقة، وذلك لعلمه صلى الله عليه وسلم بأن هذه الأمة لن تخطئ سنن من قبلها، بل ستدخل مداخلها، وتسلك طرقها، وتسير على منوالها، كـما أخبر بذلك في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ) لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا في جحر ضب لاتبعتموهم، قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ ( متفق عليه.
فكان عليه الصلاة والسلام يحذر أمته من البدع في الدين، والتعبد بما لم يشرعه رب العالمين، كـما جاء في حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه وفيه: ) .. وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة (.
بل كان عليه الصلاة والسلام يحذر من ذلك دائما في خطبه، إذ يقول فيها: ) أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة (.
ومما سبق يعلم: أن الطواف بغير بيت الله العتيق، تعبدا لله، وتقربا لله جل وعلا يعد بدعة وضلالة.
الثاني: أن يكـون الطـواف بتلـك القبـور والأضـرحـة والمشاهد، تقربا لأصحابها رجاء نفعهم، أو خوف ضرهم. وهذا ما يحصل من بعض المنتسبين إلى الإسلام. إذ تجد بعضهم يقصد تلك الأماكن وهو يرجو نفعها أو يخاف نقمتها، فيقدم لها النذور والقرابين، ويقيم عندها، ويطوف بها. ويقبل أعتابها، ويستلم أركانها، ويتمسح بجدرانها، داعيا وراجيا، ومستغيثا ومستجيرا. ولا شك أن هذا من أخطر الأمور، لأن في هذا الصنيع صرفا لعبادة أمر الله عباده بها، وقد أخبر سبحانه وتعالى في كتابه الكريم أن دعوة الأنبياء جميعا اتفقت على إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له كـما قال تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ ﴾ [سورة البينة آية 5]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾ [سورة الأنبياء آية 25].
فمن صرف شيئا من العبادات لغير الله جل وعلا فقد عبد غير الله، وأشرك في عبادته مع الله، وهذا أظلم الظلم، وأعظم الذنوب وأخطرها، كما قال تعالى على لسان لقمان وهو يعظ ابنه: ﴿ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [سورة لقمان آية 13]. ولما ) سئل عليه الصلاة والسلام عن أعظم الذنوب قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك ( فإذا كان الله جل وعلا تفرد بالخلق والإيجاد، والرزق والإنعام، كان حقا على العباد أن يفردوه بالعبادة وحده دون أحد سواه.
ولما كان الشرك بهذه المثابة من الخطورة والعظم، أخبر سبحانه أنه محبط للأعمال الصالحة مهما عظمت أو كثرت، قال تعالى مخاطبا نبيه عليه الصلاة والسلام وغيره تبع له في هذا الخطاب: ﴿ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾ [سورة الزمر آية 65- 66] وكـما أخبر أنه من مات وهو مشرك فقد حرم رحمة الله ومغفرته، واستحق دوام غضبه ونقمته، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ﴾ [سورة النساء آية 48].
وبهذا يعلم: أن الطواف بغير بيت الله العتيق من أخطر الـذنـوب، وأعظـم الآثـام. وأن من أوجب الواجبـات علـى المسلمين عامة، وعلى علمائهم خاصة أن يحذروا الواقعين في هذه المخالفة، وأن يبينوا لهم الواجب عليهم من إفراده جل وعلا بالعبادة، وأنه لا يجوز لهم الطواف بغير بيت الله الحرام، ولا أن يصرفوا شيئا من العبادات لهذه القبور ولا لأصحابها، من دعاء أو استغاثة، أو نذر أو قربان، أو تمسح أو استلام.
أسـأل الله العظيـم رب العـرش العظيـم أن يهـدي ضـال المسلمين، وأن يرد المسلمين إلى التمسك بكتابه الكريم وسنة رسوله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
أنواع الطواف
سبقت الإشارة إلى أن الطواف عبادة من العبادات التي يتقرب العبد بها إلى خالقه ومولاه، ولا يشترط للطواف أن يكون في نسك من حج أو عمرة، بل يصح التنفل بأدائه وحده في أي ساعة من ليل أو نهار، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ) يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار (.
فالحديث دال على مشروعية الطواف ولو لم يرتبط بنسك من حـج أو عمرة، والكلام في هذا النوع أعني: الطواف في غير نسك، سيتناوله الكلام في شروط الطواف، وواجباته، وآدابه، وسننه، لأن الكلام في تلك الموضوعات يتناول الطواف من حيث هو دون النظر إلى أنواعه.
والطواف في العمرة، لا يخرج في أنواعه عن الطواف في الحج، لأن من الأنساك التمتع، وهو: الإحرام بالعمرة من ميقات بلده، ويفرغ منها ثم ينشئ الحج من مكة في عامه.
فالحديث عن أنواع الطواف في الحج يتناول أنواع الطواف في العمرة أيضا.
وأنواع الطواف في الحج ثلاثة هي:
1 - طواف القدوم.
2 - طواف الإفاضة.
3 - طواف الوداع.
وسأتناول الحديث عنها في ثلاثة مباحث هي:
المبحث الأول: في طواف القدوم.
المبحث الثاني: في طواف الإفاضة.
المبحث الثالث: في طواف الوداع.
المبحث الأول: طواف القدوم:
يشرع للداخل إلى مكة أن لبادر بالتوجه إلى المسجد الحرام للطواف بالبيت العتيق، فإن هذا الطواف تحية للبيت، كتحية المسجد، تشرع للداخل إلى المسجد.
لما روت عائشة - رضي الله عنها -: ) أن أول شيء بدأ به حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم أنه توضأ ثم طاف ( متفق عليه. وقال الإمام الشافعي - رحمه الله -: (لم يبلغنا أنه حين دخل مكة لوى لشيء، ولا عرج في حجته ولا عمرته كلها حتى دخل المسجد، ولا صنع شيئا حين دخل المسجد، لا ركع ولا صنع غير ذلك حتى بدأ بالبيت فطاف). وحكي ذلك عن عطاء.
والداخل إلى المسجد الحرام لا يخلو حاله من أحد الأحوال التالية:
1 - أن يدخلها محرما. وهو في هذه الحال لا يخلو إحرامه من الأنواع الآتية:
أ - أن يكون محرما بالعمرة. سواء أكانت عمرة مفردة أم متمتعا بها إلى الحج - أي: متمتعا -.
ب - أن يكون محرما بالحج وحده - أي: مفردا -.
ج - أن يكون محرما بالحج والعمرة معا - أي: قارنا -.
2 - أن يدخلها حلالا، غير محرم.
وبهذا يعلم أنه ليس على أهل مكة طواف قدوم - ما داموا فيها - لانعدام الدخول في حقهم.
المطلب الأول: طواف المعتمر:
الداخل إلى مكة محرما بالعمرة سواء أكانت مفردة أم متمتعا بها إلى الحج لا يسن له أن يطوف للقدوم قبل أدائه للعمرة، لأنه وقت دخوله شرع له طواف مفروض، وهو طواف العمرة فيسقط عنه طواف القدوم كمن دخل المسجد وقت الفريضة لم يشرع له صلاة تحية المسجد.
فالمعتمر ليس عليه إلا طواف واحد عند قدومه، وهو طوافه لعمرته قال ابن رشد: (أجمعوا على أنه ليس على المعتمر إلا طواف القدوم، وأجمعوا أن من تمتع بالعمرة إلى الحج أن عليه طوافين: طوافا للعمرة لحله منها، وطوافا للحج يوم النحر. وقال السرخسي: (وليس في العمرة طواف الصدر، ولا طواف القدوم).
وطواف المعتمر لعمرته لا خلاف بين العلماء أنه ركن من أركان العمرة لا تصح إلا به. قال الكاساني: (وأما ركنها - أي العمرة - فالطواف، لقوله عز وجل: ﴿ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ﴾ [سورة الحج آية 29] ولإجماع الأمة عليه).
وقال الدسوقي: (الركن هو: ما لا بد من فعله، ولا يجزئ بدلا عنه دم ولا غيره، وهي: الإحرام، والطواف، والسعي).
وقال النووي في شرح المهذب: (واعلم أن العمرة ليس فيها طواف قدوم، وإنما طواف واحد يقال له طواف الفرض، وطواف الركن).
وقال ابن النجار الحنبلي: (وأركان العمرة: إحرام، وطواف، وسعي) وحكم المتمتع حكـم المعتمر، لأن دخوله إلى مكة أولا بالعمرة، فلا يسن له طواف للقدوم إلا عند الإمام أحمد - رحمه الله - فإنه ذهب إلى أن المتمتع يسن له طواف القدوم بعد الوقوف بعرفة. ففي رواية الأثرم: (قال: قلت لأبي عبد الله - رحمه الله - فإذا رجع إلى منى يطوف ويسعى؟ قال: يطوف ويسعى لحجه، ويطوف طوافا آخر للزيارة. عاودناه في هذا غير مرة، فثبت عليه). قال الموفق في المغني: (ولا أعلم أحدا وافق أبا عبد الله على هذا الطواف).
المطلب الثاني: طواف المفرد:
المحرم بالحج وحده - المفرد - لا يخلو حاله إما أن يكون دخوله إلى مكة قبل يوم عرفة؛ وإما أن يتأخر ويضيق عليه الوقت، فلا يتمكن من دخولها إلا بعد الوقوف بعرفة.
فهل يشرع له طواف القدوم أم لا؟ وهل لطواف القدوم وقت يفوت بمضيه أم لا؟ هذا ما نسعى للتعرف عليه في هذا المطلب من خلال بحث المسألتين التاليتين وهما:
المسألة الأولى: حكم طواف القدوم للمفرد إذا دخل مكة قبل يوم عرفة.
المسألة الثانية: هل يشرع طواف القدوم لمن لم يدخل مكة إلا بعد الوقوف بعرفة أم لا؟
المسألة الأولى: حكـم طواف القدوم للمفرد إذا دخل مكة قبل يوم عرفة. لا خلاف بين العلماء أن المفرد إذا دخل مكة قبل يوم عرفة يشرع له طواف القدوم، وإنما اختلفوا في حكم ذلك على قولين:
القول الأول: أن طواف القدوم سنة، وليس بواجب، فلا يترتب على تركه دم، ولا إثم. وإلى هذا ذهب: أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وبه قال الثوري، وابن المنذر، ورواية عن مالك.
القول الثاني: أنه واجب، يجب بتركه دم. إلا إن تركه تداركا لإدراك الوقوف بعرفة. وإلى هذا ذهب: مالك، ورواية عن أحمد، وبه قال أبو ثور.
الأدلـة:
1 - استدل أصحاب القول الأول بما يلي:
بقوله تعالى: ﴿ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ﴾ [سورة الحج آية 29].
وجه الاستدلال منها: أن أمر الله بالطواف، والأمر المطلق لا يقتضي التكرار.
وقالوا: إن المراد بالطواف في الآية طواف الإفاضة، وسياق الآية دال عليه، لأن هذا الطواف جاء في معرض التحلل وقضاء المناسك، من حلق - ونحوه مما فيه إزالة التفث - ونحر، وطواف. وهي التي يحصل بها التحلل. فصدر الآية تعالى: ﴿ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ﴾ [سورة الحج آية 29].
وقالوا: إن طواف القدوم لا يجب على أهل مكة بالإجماع، ولو كان ركنا لوجب عليهم، لأن الأركان لا تختلف بين أهل مكة وغيرهم، كطواف الزيارة.
وقالوا: أجمع أهل التفسير أن المراد بالطواف في الآية طواف الإفاضة. قال القرطبي: (الطواف المذكور في هذه الآية هو طواف الإفاضة، الذي هو من واجبات الحج. قال الطبري: لا خلاف بين المتأولين في ذلك).
2 - واستدل أصحاب القول الثاني بما يلي:
أ - بقوله تعالى: ﴿ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ ﴾ [سورة الحج آية 27] وقال في سياق الآية: ﴿ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ﴾ [سورة الحج آية 29].
وجه استدلالهم منها:
أن الله - عز وجل - لم يفترض على الحاج إلا طوافا واحدا ولم يحدد وقته، لأن الواو لا تقتضي الترتيب، وطواف القدوم يجزئ عن طواف الإفاضة، كما أن طواف الإفاضة يجزئ عن طواف القدوم، فدل ذلك على أن طواف القدوم واجب.
ب - بقوله صلى الله عليه وسلم: ) من أتى البيت فليحيه بالطواف (.
وجه الاستدلال منه:
أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من أتى البيت بالطواف، والأمر للوجوب، فدل ذلك على وجوب طواف القدوم.
ج - بفعله صلى الله عليه وسلم وأنه طاف للقدوم، مع قوله صلى الله عليه وسلم: ) خذوا عني مناسككم (.
وجه الاستدلال منه:
أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف للقدوم حين دخل مكة، وقد قال: ) خذوا عني مناسككم ( فدل ذلك على أن طواف القدوم من المناسك التي يجب فعلها، أو جبرها بالدم.
الرأي المختار:
الذي أختاره هو ما ذهب إليه الجمهور من أن الطواف سنة، وليس بواجب، فلا يلزم من تركه دم. لما يأتي:
1 - أن الطواف المأمور به في الآية إنما هو طواف الإفاضة الواقع بعد الوقوف بعرفة، فلا يكون طواف القدوم داخلا في هذا الأمر.
2 - لم يرد أنه صلى الله عليه وسلم أمر به أحدا من أصحابه، أو أمر من تركه بإراقة دم.
3 - سقوط هذا الطواف عن الحائض، وعن الداخل إلى مكة بعد يوم عرفة، فلو كان واجبا لوجب قضاؤه وتداركه، أو جبره بدم. والله أعلم.
المسألة الثانية:
هل يشرع طواف القدوم لمن لم يدخل مكة إلا بعد الوقوف بعرفة أم لا؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: لا يشرع له طواف القدوم، لفوات وقته.
وإلى هذا القول ذهب جمهور العلماء، ومنهم أصحاب المذاهب الثلاثة ما عدا أحمد.
القول الثاني: يشرع طواف القدوم للمفرد بعد يوم عرفة، إذا لم يأت مكة قبل ذلك ولا طاف للقدوم. وإلى هذا ذهب أحمد.
الأدلـة:
1 - استدل أصحاب القول الأول بما يلي:
أ - بحديث عائشة - رضي الله عنها - وفيه: فطاف الذين أهلوا بالعمرة ثم حلوا، ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى، وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة طافوا طوافا واحدا.
وجه الاستدلال منه:
أن الطواف المشار إليه بعد الرجوع من منى إنما هو طواف الإفاضة فإنها لم تذكر طوافا آخر، فلو كان هذا الذي ذكرته طواف القدوم، لكانت قد أخلت بذكر طواف الزيارة، الذي هو ركن الحج، ولا يتم الحج إلا به، وذكرت ما يستغنى عنه.
ب - أن عائشة رضي الله عنها لما حاضت قرنت الحج والعمرة بأمره صلى الله عليه وسلم، ولم تكن طافت للقدوم، لم تطف للقدوم ولا أمرها به النبي صلى الله عليه وسلم.
ج - لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه الذين تمتعوا معه في حجة الوداع، ولا أمر به النبي صلى الله عليه وسلم أحدا.
د - أن طواف القدوم، طواف لتحية البيت، فطوافه بعد يوم عرفة للإفاضة يغني عن طواف القدوم، كتحية المسجد تسقط بأداء الفريضة.
هـ - أن طواف القدوم لو لم يسقط بالطواف الواجب، لشرع في حق المعتمر طواف للقدوم مع طواف العمرة؛ لأنه أول قدومه إلى البيت، فهو به أولى من المتمتع الذي يعود إلى البيت بعد رؤيته وطوافه به.
2 - استدل الفريق الثاني بما يلي:
أ - بحديث عائشة رضي الله عنها المتقدم.
وجه استدلالهم منه:
أن عائشة رضي الله عنها أشارت إلى أن من جمع بين الحج والعمرة إنما طافوا طوافا واحدا، وأن الذين تمتعوا بالعمرة إلى الحج طافوا مرتين، ومعلوم أن الذين جمعوا بين الحج والعمرة - القارنين - قد طافوا لقدومهم أثناء دخولهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطاف المتمتعون كذلك لعمرتهم، فدل ذلك على أن الطواف الآخر المشار إليه للمتمتعين إنما هو طواف القدوم.
ب - أن طواف القدوم مشروع، فلم يكن طواف الزيارة مسقطا له، كتحية المسجد قبل التلبس بالفرض.
الرأي المختار:
الذي أختاره، هو ما ذهب إليه الجمهور: من سقوط طواف القدوم عن المفرد - ومثله القارن - إذا لم يدخلا مكة قبل يوم النحر، وأنه لا يسن لهما ولا للمتمتع الطواف للقدوم بعد طواف الإفاضة؛ لما يلي:
1 - أن الطواف الذي أخبرت به عائشة، وفرقت به بين المتمتع والقارن، هو الطواف بين الصفا والمروة، لا الطواف بالبيت، فأخبرت عن القارنين أنهم اكتفوا بطواف واحد بينهما، لم يضيفوا إليه طوافا آخر يوم النحر، وأخبرت عن المتمتعين، أنهم طافوا بينهما طوافا آخر بعد الرجوع من منى للحج، وذلك الأول كان للعمرة. فيوافق هذا حديثها الآخر، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: ) يسعك طوافك بالبيت، وبين الصفا والمروة لحجك وعمرتك (.
2 - أنه لم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم أنه أمر أحدا من أصحابه الذين تمتعوا بالطواف مرة أخرى بعد طواف الإفاضة.
3 - أنه لم ينقل عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم الذين تمتعوا معه صلى الله عليه وسلم: ) أنهم طافوا طوافا آخر بعد طواف الإفاضة (.
4 - أنه لم ينقل عن عائشة رضي الله عنها أنها طافت للقدوم مع طواف الإفاضة، مع أنها رضي الله عنها لم تطف بالبيت فور قدومها؛ لكونها كانت حائضا، ولا أمرها النبي صلى الله عليه وسلم بذلك.
5 - أن طواف القدوم تحية للمسجد الحرام، فإذا طاف الداخل للفرض طواف الإفـاضة أسقط طواف القدوم، كتحية المسجد تسقط بصلاة الداخل للفريضة.
6 - الاتفاق على أن المعتمر لا يطوف للقدوم، بل يسقط بطواف العمرة، ودخوله فيه.
فكذلك المتمتع يسقط طواف القدوم عنه، ويجزئ عنه طوافه للعمرة ابتداء. وليس الذهاب للمشاعر مما يشرع للقادم منها طواف القدوم، للاتفاق على أن المفرد والقارن إذا طافا للقدوم قبل يوم عرفة لا يشرع لهما طواف القدوم مع طواف الزيارة. (والله أعلم).
المطلب الثالث: طواف القارن:
سبقت الإشارة في المطلب الثاني إلى مسألتين هما:
المسألة الأولى: حكم طواف القدوم للمفرد إذا دخل مكة قبل يوم عرفة. فهل القارن مثل المفرد في هذه المسألة أم يختلف عنه؟ والنظر في هذه المسألة للقارن يدفع إلى النظر في أصل المسألة وهي: هل أفعال القارن مثل أفعال المفرد؟ وهل تدخل أفعال العمرة في أفعال الحج؟ أم أن أفعال القارن تختلف عن المفرد، وأن القارن تلزمه أفعال العمرة وأفعال الحج معا؟
هذا ما سأتطرق إليه لمعرفة ماذا يلزم القارن من طواف؟
أما المسألة الثانية: وهي هل يشرع طواف القدوم لمن لم يدخل مكة إلا بعد الوقوف بعرفة أم لا؟ فإنها تشمل القارن والمفرد على حد سواء، كما سبق التنبيه إليه.
مسألة: ماذا يلزم القارن من طواف؟
اختلف العلماء فيما يلزم القارن من طواف على قولين:
القول الأول: لا يلزم القارن بين الحج والعمرة إلا ما يلزم المفرد، وأنه يجزئه طواف واحد، وسعي واحد، لحجه وعمرته.
وإلى هذا ذهب: مالك، والشافعي، وأحمد - من أصحاب المذاهب - وبه قال: ابن عمر، وجابر بن عبد الله، وعائشة رضي الله عنهم وعطاء، وطاوس، ومجاهد، والحسن البصري، وأبو ثور، وإسحاق، وداود، وابن المنذر وابن حزم - رحمهم الله -.
القول الثاني: يلزم القارن طوافان وسعيان، طواف وسعي للعمرة، وطواف وسعي للحج، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة وأحمد في رواية. وبه قال: مجاهد، والشعبي، والنخعي، وجابر بن زيد، وعبد الرحمن بن الأسود، والثوري، وحماد بن أبي سليمان، والأوزاعي، وابن أبي ليلى، والحكم بن عتبة، وشريح القاضي، ومحمد بن علي بن الحسين، والأسود بن يزيد، والحسن بن صالح - رحمهم الله - وروي هذا عن علي، وابن مسعود رضي الله عنهما.
الأدلـة:
1 - استدل أصحاب القول الأول بما يلي:
1 - بحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها - وقد قرنت بين الحج والعمرة -: ) يسعك طوافك لحجك وعمرتك (.
2 - وبحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ) من أحرم بالحج والعمرة، أجزأه طواف واحد، وسعي واحد منهما جميعا (.
وجه الاستدلال منهما:
أن إخبار النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها بأن طوافها للإفاضة يكفيها لحجها وعمرتها، وأن من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف وسعي واحد منهما جميعا، دليل على أن القارن لا يلزمه إلا طواف واحد وسعي واحد لحجه وعمرته. وهو نص صريح في المراد.
3 - وبحديث جابر رضي الله عنه في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم وفيه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ) دخلت العمرة في الحج (.
وجه الاستدلال منه:
أن إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بدخول العمرة في الحج، أي: تداخل أفعالهما، واتحادهما، فيطوف لهما طوافا واحدا، ويسعى لهما سعيا واحدا، كما لا يحرم لهما إلا إحراما واحدا.
4 - وبحديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ) ... وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة طافوا طوافا واحدا (.
5 - وبحديث جابر رضي الله عنه ) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرن الحج والعمرة، فطاف لهما طوافا واحدا (.
6 - وبحديث ابن عباس رضي الله عنهما: ) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف طوافا واحدا لحجه وعمرته (.
وجه الاستدلال منها:
أن هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم أخبروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن كان مثله ممن جمع بين الحج والعمرة إنما طافوا طوافا واحدا لحجهم وعمرتهم، فدل ذلك على أن القارن لا يلزمه إلا طواف واحد لحجه وعمرته.
7 - وبأثر ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يقول: (من جمع بين الحج والعمرة، كفاه طواف واحد، ولم يحل حتى يحل منهما جميعا).
8 - وقالوا: (إنه يدخل فيهما بتلبية واحدة، ويخرج منهما بحلاق واحد، فوجب أن يطوف لهما طوافا واحدا، ويسعى لهما سعيا واحدا كالمفرد بالحج).
9 - وقالوا: (إن العمرة والحج عبادتان من جنس واحد، فإذا اجتمعتا دخلت أفعال الصغرى في الكبرى، كالطهارتين).
واستدل الفريق الثاني بما يلي:
1 - بقوله تعالى: ﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ﴾ [سورة البقرة آية 196] وجه الاستدلال منها:
أن إتمامها أن يأتي بأفعالهما على الكمال، ولم يفرق بين قارن وغيره، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه: (إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك).
2 - وبحديث إبراهيم بن محمد بن الحنفية قال: (طفت مع أبي، وقد جمع الحج والعمرة، فطاف لهما طوافين، وسعى لهما سعيين. وحدثني أن عليا رضي الله عنه فعل ذلك، وحدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك).
3 - وبحديث عمران بن حصين رضي الله عنه: ) أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف طوافين وسعى سعيين (.
4 - وبحديث الصُّبَي بن معبد، وأنه لما طاف طوافين، وسعى سعيين، قال له عمر رضي الله عنه: (هديت لسنة نبيك).
وجه الاستدلال منها:
إخبار عمر، وعلي، وعمران رضي الله عنهم ) بأن النبي صلى الله عليه وسلم طاف طوافين وسعى سعيين - وقد كان قارنا (. فدل ذلك على أن القارن يلزمه طوافان وسعيان لحجه وعمرته.
5 - بأثر علي رضي الله عنه أنه قال: (إذا أهللت بالحج والعمرة فطف لهما طوافين واسع لهما سعيين بالصفا والمروة).
6 - وبأثر علي، وابن مسعود رضي الله عنهما أنهما قالا في (القارن): (يطوف طوافين ويسعى سعيين).
7 - قالوا: إن القران ضم عبادة إلى عبادة، وذلك إنما يتحقق بأداء عمل كل واحدة على الكمال؛ لأنه لا تداخل في العبادات.
مناقشة أدلة القول الثاني:
1 - من الكتاب:
ليس في الآية ما يصلح أن يكون دليلا على أن القارن يأتي بأفعال الحج والعمرة على الكمال، والأثر دليل على ذلك؛ لأن المراد بالإتمام في الآية: إما أداؤهما والإتيان بهما، كقوله تعالى: ﴿ فَأَتَمَّهُنَّ ﴾ [سورة البقرة آية 124]. وقوله سبحانه: ﴿ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ﴾ [سورة البقرة آية 187]. أي: ائتوا بالصيام. وإما أن المراد بها: تمامهما بعد الشروع فيهما؛ لأن من أحرم بنسك وجب عليه المضي فيه ولا يفسخه.
وليس في الأثر ما يدل على أنه يفرد عمل كل واحد من النسكين إذا قرن بينهما، بل غايته أن يدل على أن النسكين يمكن جمعهما بسفر واحد، فتحرم بهما من دويرة أهلك. وهذا لا خلاف فيه.
2 - من السنة:
قد أشرت على كل واحد منها في التعليق عليه بما يغني عن إعادته، وجملة القول فيها: أنها لا تخلو من مقال في سندها أو في متنها، أو فيهما معا. ولو قيل: بتعاضدها وارتقائها إلى درجة الاحتجاج. ، فإنها لا تقوى على معارضة الأدلة الصحيحة الصريحة التي استدل بها أصحاب القول الأول، وقد تعين في هذه المسألة عند التعارض الترجيح، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يحج إلا مرة واحدة.
3 - من الآثار:
قد أشرت عند الاستدلال بها إلى اختلاف العلماء فيها صحة وضعفا، وذكرت قول ابن المنذر - رحمه الله -: (لا يثبت عن علي خلاف قول عمر). وأزيد هنا قول سلمة بن كهيل: (حلف طاوس ما طاف أحد من أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لحجه وعمرته إلا طوافا واحدا).
قال الحافظ ابن حجر: (وفيه بيان ضعف ما روي عن علي، وابن مسعود من ذلك) وعلى التسليم بصحتها فإنها لا تكون معارضة للسنة الصحيحة الصريحة في أن القارن يسعه طواف واحد لحجه وعمرته.
الرأي المختار:
الذي أختاره هو ما ذهب إليه جمهور العلماء من أن القارن بين الحج والعمرة إنما يلزمه طواف واحد، وسعي واحد لحجه وعمرته. وذلك لما يلي:
1 - قوة أدلة الجمهور بكثرة طرقها وتعدد رواتها، وصحتها، وصراحتها في الموضوع، فهي نص في المسألة.
2 - ضعف أدلة أصحاب القول الثاني، إذ لا تقوى على معارضة أدلة أصحاب القول الأول.
3 - تعارض الأدلة في هذه المسألة يقتضي الترجيح بينها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحج إلا مرة واحدة والله أعلم.
مسألة: هل يشرع للقارن طواف القدوم أم لا؟
تبين لنا من المسألة السابقة. أن العلماء اختلفوا فيما يلزم القارن من الطواف، على قولين:
القول الأول: لا يلزمه إلا طواف واحد كالمفرد. وعلى هذا القول، فإن القارن يشرع له طواف القدوم كالمفرد، وقد سبق تفصيل القول في حكم طواف القدوم للمفرد.
القول الثاني: يلزمه طوافان، طواف لعمرته، وآخر لحجه. وإلى هذا ذهب الأحناف. وعلى هذا القول، فإن الطواف الذي يبتدئ به القارن حين دخوله مكة إنما هو طواف العمرة. فهل يشرع للقارن بعد هذا الطواف، طواف آخر للقدوم أم لا؟ ذهب الأحناف إلى أنه يشرع للقارن بعد الفراغ من طواف العمرة وسعيها، أن يطوف طوافا آخر للقدوم، وأن يسعى بعده للحج.
قال صاحب البداية: (فإذا دخل مكة ابتدأ فطاف بالبيت سبعة أشواط يرمل في الثلاث الأول منها، ويسعى بعد بين الصفا والمروة، وهذه أفعال العمرة، ثم يبدأ بأفعال الحج فيطوف طواف القدوم سبعة أشواط ويسعى بعده كما بينا في المفرد).
ويصح كذلك أن يطوف للقدوم قبل الفراغ من مناسك العمرة، بأن يطوف طوافين متواليين دون أن يفصل بينهما بسعي العمرة، قال الكاساني: (ولو طاف القارن طوافين متواليين، وسعى سعيين متواليين أجزأه، وقد أساء، أما الجواز فلأنه أتى بوظيفة من الطوافين والسعيين. وأما الإساءة، فلتركه السنة، وهي تقديم أفعال الحج على أفعال العمرة). ، ويرى الأحناف أن تقديم القارن لطواف القدوم على طواف العمرة، لغو لا يصح، فلو نوى بطوافه للقدوم وقع عن العمرة.
يقول الكاساني: (ولو طاف أولا لحجته وسعى لها، ثم طاف لعمرته وسعى لها، فنيته لغو، وطوافه الأول وسعيه يكونان للعمرة).
وفي النفس من تسمية الطواف الثاني بعد طواف العمرة، طواف القدوم شيء؛ لأن تسميته طواف القدوم مأخوذ من كونه أول أفعال القادم، والاتفاق على أن الداخل إلى مكة بالعمرة يبدأ بأفعالها، فلو قيل: بسقوط طواف القدوم عن القارن، ووجوب تأخير سعي الحج كالمتمتع، لكان أقيس. والله أعلم.
المبحث الثاني: طواف الإفاضة:
يشرع طواف الإضافة لحجاج بيت الله العتيق بعد وقوفهم بعرفة وإفاضتهم منها ومن مزدلفة، فإذا وصلوا إلى منى يوم النحر رموا جمرة العقبة وذبحوا هديهم، وحلقوا رءوسهم، ثم بعد ذلك يفيضون إلى مكة فيطوفون بالبيت العتيق طواف الإفاضة ضحى يوم النحر. وهذه هي السنة في طواف الإفاضة؛ لأنه هو الوقت الذي طاف فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وسأتناول في هذا المبحث الجوانب المتعلقة بهذا الطواف في المطالب التالية:
المطلب الأول: حكمه.
المطلب الثاني: وقته.
المطلب الثالث: ماذا يترتب على أدائه.
المطلب الأول: حكم طواف الإفاضة:
لا خلاف بين العلماء أن طواف الإفاضة ركن من أركان الحج، لا يتم الحج إلا به، والدليل على ذلك: الكتاب، والسنة، والإجماع.
أولا: أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ﴾ [سورة الحج آية 29]، وجه الاستدلال منها من وجهين:
الأول: أن الله - جل وعلا - أمر بالطواف في سياق الأمر بالحج، والأمر المطلق لا يقتضي التكرار، فدل ذلك على أن الطواف الركن في الحج إنما هو طواف واحد. والإجماع على أن الطواف الذي يلزم جميع الحجاج - حتى المكي - إنما هو طواف الإفاضة، فتبين أن الطواف الركن إنما هو طواف الإفاضة.
الثاني: أن الله - سبحانه وتعالى - بين في هذه الآية حكم النحر، ثم عطف عليه بأمور ثلاثة هي: قضاء التفث، والوفاء بالنذر، والطواف، فيجب حمل الطواف على ما يفعل بعد النحر، وهو طواف الزيارة. ، وقد حكى الإجماع على أن المراد بالطواف في الآية طواف الإفاضة غير واحد من العلماء.
ثانيا: وأما السنة: فحديث عائشة رضي الله عنها: (أن صفية بنت حيي - زوج النبي صلى الله عليه وسلم - حاضت، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أحابستنا هي؟ قالوا: إنها قد أفاضت. قال: فلا إذا).
وفي رواية لمسلم: ) لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن ينفر، إذا صفية على باب خبائها، كئيبة حزينة، فقال: عقرى حلقى، إنك لحابستنا. ثم قال لها: كنت أفضت يوم النحر؟ قالت: نعم. قال: فانفري (.
وجه الاستدلال منه:
أن قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أحابستنا هي)؟ أو قوله: (إنك لحابستنا) دليل على أن هذا الطواف لا بد منه، وأنه حابس لمن لم يأت به. قال البغوي في تفسيره: (ثبت بهذا الحديث أن من لم يطف يوم النحر طواف الإفاضة، لا يجوز له أن ينفر).
ثالثا: وأما الإجماع: فقد أجمع العلماء على أن طواف الإفاضة ركن من أركان الحج، لا يتم الحج إلا به. وقد حكى الإجماع غير واحد من العلماء. قال السرخسي: (طواف الزيارة، وهو ركن الحج). ، وقال المواق: (طواف الإفاضة، هو ركن في الحج).
وقال النووي: (وهذا الطواف - أي طواف الإفاضة - ركن من أركان الحج، لا يصح الحج إلا به بإجماع الأمة). وقال الموفق ابن قدامة: (طواف الزيارة، وهو ركن الحج، لا يتم إلا به، بغير خلاف).
وقال ابن حزم: (وأجمعوا أن الطواف الآخر - المسمى طواف الإفاضة - بالبيت، والوقوف بعرفة فرض). وقال ابن رشد: (وأجمعوا على أن الواجب منها - أي من أنواع الطواف - الذي يفوت الحج بفواته، هو طواف الإفاضة).
المطلب الثاني: وقت طواف الإفاضة:
لطواف الإفاضة وقتان: وقت فضيلة، ووقت جواز.
فوقت الفضيلة: أن يطوف ضحى يوم النحر، بعد أن يفرغ من أعمال مناسك هذا اليوم، فيرمي جمرة العقبة، وينحر هديه، ويحلق رأسه؛ لأن هذا هو الوقت الذي طاف فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لحديث ابن عمر رضي الله عنه: ) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفاض يوم النحر، ثم رجع فصلى الظهر بمنى (. ولحديث جابر رضي الله عنه في صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم فقد جاء فيه: ) أنه صلى الله عليه وسلم رمى جمرة العقبة، ثم انصرف إلى المنحر فنحر هديه، ثم أفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر (.
أما وقت الجواز: فقد اختلف العلماء في أول وقت الطواف، وفي آخره على ما سأبينه في المسألتين التاليتين:
مسألة: أول وقت الإفاضة:
اختلف العلماء - رحمهم الله تعالى - في أول وقت يجوز فيه طواف الإفاضة على قولين:
القول الأول: أن أول وقته يبدأ من نصف ليلة النحر.
وإلى هذا ذهب الشافعي، وأحمد في المشهور عنه.
القول الثاني: أن أول وقته يبدأ بطلوع الفجر الثاني من يوم النحر. وإلى هذا ذهب أبو حنيفة، ومالك، وأحمد في رواية.
والخلاف في هذه المسألة مبني على أول وقت رمي جمرة العقبة يوم النحر، وقبل أن أتطرق إلى بحث هذه المسألة، أجيب على سؤال قد يرد وهو: ما علاقة الطواف برمي جمرة العقبة، حتى كان الخلاف في أول وقت الطواف مبنيا على الخلاف في أول وقت رمي جمرة العقبة؟ والجواب على ذلك: أن رمي جمرة العقبة، والذبح، والحلق، والطواف كلها من أعمال يوم النحر. وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى جمرة العقبة بعد طلوع الشمس، ثم نحر هديه، ثم حلق رأسه، ثم أفاض إلى مكة فطاف طواف الإفاضة، وأن بعض الصحابة حصل منهم إخلال بهذا الترتيب، فأخذوا يسألونه صلى الله عليه وسلم عما قدموه أو أخروه من أفعال هذه اليوم، فكان يجيبهم صلى الله عليه وسلم: ) افعل ولا حرج (. فكان هذا دليلا على أن أعمال يوم النحر مترابطة.
مسألة: أول وقت رمي جمرة العقبة:
اختلف العلماء - رحمهم الله - في أول وقت رمي جمرة العقبة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن أول وقت رمي جمرة العقبة، يبدأ من منتصف ليلة النحر. وإلى هذا ذهب الشافعي، وأحمد في الرواية المشهورة، وعطاء وابن أبي ليلى، وعكرمة بن خالد، وطاوس، والشعبي.
القول الثاني: أن أول وقت الرمي يبدأ من طلوع الفجر الثاني، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة، ومالك، وأحمد في رواية، وإسحاق، وابن المنذر.
القول الثالث: أن الرمي لا يجوز قبل طلوع شمس يوم النحر. وإلى هذا ذهب مجاهد، وسفيان الثوري، والنخعي، وأبو ثور، والظاهرية.
الأدلـة:
1 - استدل أصحاب القول الأول بما يلي:
1 - بحديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ) أرسل النبي صلى الله عليه وسلم بأم سلمة ليلة النحر، فرمت الجمرة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت (... الحديث.
وجه الاستدلال من الحديث:
الحديث نص صريح في أن أم سلمة رضي الله عنها رمت جمرة العقبة قبل الفجر، ولم يأمرها النبي صلى الله عليه وسلم بإعادة الرمي، فدل ذلك على جواز الرمي قبل الفجر. قال الشافعي - رحمه الله -: (وهذا لا يكون إلا وقد رمت الجمرة قبل الفجر بساعة).
2 - وبحديث أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما: (أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلفة فقامت تصلي، فصلت ساعة، ثم قالت: يا بني هل غاب القمر؟ قلت: لا. فصلت ساعة، ثم قالت: هل غاب القمر؟ قلت: نعم. قالت: فارتحلوا، فارتحلنا ومضينا

_________________


نصر المولى جاي

صامدين ما نرتضي بيع الوطن  

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://b-a-2-7.almountadayat.com/
البيرق الاخضر
المشرف العام
المشرف العام


5061

البطاقة البيرقية
الرتبة: 1
الجنسية: فلسطيني

مُساهمةموضوع: رد: أنواع الطواف وأحكامه   الثلاثاء فبراير 05, 2013 1:36 am


وجه الاستدلال منها:
تعليق النبي صلى الله عليه وسلم الإحلال من الإحرام برمي جمرة العقبة، دليل على أن التحلل الأصغر يحصل برميها دون التوقف على أشياء أخر. وقد أبان عن ذلك فعله صلى الله عليه وسلم، كما أخبرت به عائشة رضي الله عنه، وأن تطييبها إياه كان عقب جمرة العقبة. وهو مفسر للروايات الأخرى، بأن المراد بقبل الطواف، أي: بعد رمي الجمرة.
2 - واستدل أصحاب القول الثاني بما يلي:
1 - بحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ) إذا رميتم، وحلقتم، فقد حل لكم الطيب، والثياب، وكل شيء إلا النساء (.
وجه الاستدلال منه:
إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بأن من رمى، وحلق، قد حل له الطيب، والثياب، وكل شيء إلا النساء، دليل على حصول التحلل الأصغر بالرمي والحلق.
2 - وبحديث عائشة رضي الله عنها قالت: ) طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي هاتين حين أحرم، ولحله حين أحل قبل أن يطوف، وبسطت يديها (.
وجه الاستدلال منه:
إخبار عائشة رضي الله عنها بأنها طيبت النبي صلى الله عليه وسلم حين أحل قبل أن يطوف، دليل على أن التحلل الأصغر حصل قبل الطواف، أي بعد الرمي والحلق.
3 - وقالوا: إنهما نسكان يعقبهما الحل، فكان حاصلا بهما.
3 - واستدل أصحاب القول الثالث بما يلي:
بقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ﴾ [سورة البقرة آية 196].
وجه الاستدلال منها:
نهي الله - سبحانه وتعالى - عن الحلق، إلى حين الذبح - ليس واجبا على كل أحد - فدل ذلك على أن التحلل يكون بالحلق بعد الرمي).
2 - واستدلوا كذلك بجملة ما استدل به أصحاب القول الأول، إلا أنهم ذهبوا إلى أن التحلل إنما حصل بالحلق بعد الرمي، وليس بالرمي وحده.
3 - وحاولوا الجمع بين أدلتهم، وأدلة أصحاب القول الثاني التي فيها تعليق التحلل بالرمي وحده، بأن تلك الأحاديث لم تذكر الحلق، فيحتمل أن يكون التحلل والتطيب بعد الحلق، ويحتمل أن يكون بعد الرمي، فالأولى أن يحمل ذلك على ما يوافق حديث عائشة، لا على ما يخالفه، فيكون التحلل والتطيب بعد الحلق.
4 - وقالوا: إن المعتمر إذا طاف وسعى لا يحل له الطيب والنساء إلا بعد الحلق، فدل ذلك على أن التحلل يكون به، فكذلك في الحج لا يحل له الطيب إلا بعد الحلق.
5 - وقالوا: إن التحلل من العبادة هو الخروج منها، ولا يكون ذلك بركنها، بل بما ينافيها أو بما هو محظورها، والحلق قبل أوانه محظور بخلاف الرمي، فدل ذلك على أن التحلل يكون بالحلق لا بالرمي.
الرأي المختار:
الذي أختاره هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول: أن التحلل الأصغر يحصل برمي جمرة العقبة. وذلك لما يلي:
1 - أن ما استدل به أصحاب الأقوال الأخرى لا تنهض لمعارضة أدلة هذا القول، فأحاديثهم إما غير صحيحة، كحديث عائشة رضي الله عنها وهو أقوى أدلتهم ومحورها، ولهذا سعى الطحاوي إلى حمل الأحاديث الأخرى عليه. وإما غير صريحة كحديث عائشة الآخر في الصحيحين، فإنهم حملوا قولها (... قبل أن يطوف) أي: بعد الرمي، والحلق، وهو احتمال فقط.
2 - أن أدلة أصحاب هذا القول صحيحة، وصريحة فيما ذهبوا إليه. فحديث أم سلمة، وحديث عائشة - في الذريرة - رضي الله عنهما أحاديث صحيحة، وفيها تعليق التحلل بالرمي وحده، دون الحلق. وكذا حديث ابن الزبير رضي الله عنهما مع ما فيه من خلاف في الحكم عليه بالرفع أو بالوقف.
3 - أن ما أشار إليه أصحاب القول الثالث من نظر. محل اعتبار، لولا وجود النصوص المشار إليها، إذ لا مجال له في مقابل النص. ومع هذا الاختيار، فالأولى بالحاج أن يؤخر التحلل حتى يحلق أو يقصر رأسه، خروجا من الخلاف. (والله أعلم).
فرع: ما الذي يحل بالتحلل الأصغر؟
اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول: يحل به كل شيء إلا النساء (من الوطء، والقبلة، واللمس لشهوة، وعقد النكاح). وإلى هذا ذهب جمهور العلماء، فبه قال أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وهو قول ابن الزبير، وعائشة، وعلقمة، وسالم، وطاوس، والنخعي، وعبيد الله بن الحسن، وخارجة بن زيد، وأبي ثور.
القول الثاني: يحل به كل شيء إلا الوطء. وإلى هذا ذهب الشافعي في قول، وأحمد في رواية، وهو مروي عن ابن عباس.
القول الثالث: يحل به كل شيء إلا النساء، والصيد. وإلى هذا ذهب مالك، والليث. وكره مالك الطيب.
الأدلة:
ا - استدل أصحاب القول الأول بما يلي:
1 - بحديث عائشة رضي الله عنها قالت: ) طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي هاتين حين أحرم، ولحله حين أحل، قبل أن يطوف، وبسطت يديها (.
2 - وبحديث عائشة رضي الله عنها قالت: ) طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي بذريرة لحجة الوداع للحل والإحرام، حين أحرم، وحين رمى جمرة العقبة يوم النحر، قبل أن يطوف بالبيت (. وجه الاستدلال منهما:
إخبار عائشة رضي الله عنها بأنها طيبت الرسول صلى الله عليه وسلم حين أحل قبل أن يطوف بالبيت، نص صريح في إباحة الطيب بالتحلل الأول.
- وبحديث أم سلمة رضي عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ) إن هذا يوم رخص لكم إذا أنتم رميتم الجمرة قبل أن تحلوا - يعني من كل ما حرمتم منه - إلا النساء (.
وجه الاستدلال منه:
إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بأن من رمى الجمرة تحلل إلا من النساء، دليل على أن التحلل الأصغر يحل به كل شيء من طيب، وصيد، وغيرهما إلا النساء.
4 - وبأثر عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: ) إذا رميتم الجمرة، وذبحتم، وحلقتم، فقد حل لكم كل شيء حرم عليكم إلا النساء والطيب (. قال سالم بن عبد الله: وقالت عائشة: ) أنا طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله بعد أن رمى جمرة العقبة، وقبل أن يزور البيت ( قال سالم: ) وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن تتبع (.
وجه الاستدلال منه:
إخبار عمر رضي الله عنه بأن التحلل الأصغر يحل به كل شيء إلا النساء والطيب، ومخالفة عائشة رضي الله عنها له في الطيب، وإخبارها بأمر شهدته، وعلمته أكثر من غيرها؛ لأنها باشرت بنفسها تطييب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهذا قال سالم: وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن تتبع. فدل ذلك على أن التحلل الأصغر يحل به كل شيء إلا النساء.
2 - واستدل أصحاب القول الثاني بما يلي:
1 - بحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ) إذا رميتم، وحلقتم، فقد حل لكم الطيب، والثياب، وكل شيء إلا النساء (.
وجه الاستدلال منه:
أن إباحة الطيب والثياب وكل شيء إلا النساء بالتحلل الأصغر دليل على أنه لم يبق من المحرمات شيء إلا الوطء في الفرج؛ لأن الطيب من دواعي الجماع.
2 - وقالوا: إن الوطء في الفرج أغلظ المحرمات، ويفسد النسك بخلاف غيره.
3 - وقالوا: إن القبلة والملامسة وغيرها من دواعي الجماع لا تفسد الإحرام، فتحل بالتحلل الأصغر كالطيب.
واستدل أصحاب القول الثالث على تحريم قتل الصيد بما يلي:
- بقوله تعالى: ﴿ لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ [سورة المائدة آية 95].
وجه الاستدلال منها:
أن الله - سبحانه وتعالى - نهى عن قتل الصيد حال الإحرام، ومن تحلل التحلل الأصغر، لم يزل محرما؛ لأن التحلل الأكبر إنما يكون بعد الطواف. فدل ذلك على تحريم الصيد، فلا ترتفع حرمته إلا بتمام الإحلال.
الرأي المختار:
الذي أختاره هو ما ذهب إليه جمهور العلماء: أنه يحل بالتحلل الأصغر كل شيء إلا النساء، وذلك لما يلي:
1 - الأدلة التي استدلوا بها صحيحة، صريحة، فقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أم سلمة نص في الموضوع، إذ أخبر أن المحرم يحل له برمي جمرة العقبة ما حرم عليه بالإحرام، ولم يستثن إلا النساء، فدل ذلك على أنه يحل له كل شيء إلا النساء.
2 - أن من استثنى الوطء وحده، إنما خصه لمخالفته بقية المحظورات، إذ يفسد النسك دون غيره من المحظورات، وهذا استثناء عقلي، لا يصح تخصيص عموم الحديث به.
3 - أن قياس القبلة، والمباشرة على الطيب بجامع أن كلا منهما من دواعي الجماع لا يسلم، لمخالفة الطيب لهما وغيرهما في كثير من الأمور، فهو مشروع في اجتماعات الناس ولقاءاتهم، بخلاف القبلة، والمباشرة فإنهما من قضاء الشهوة المتعلقة بالنساء.
4 - أن قياس الطيب عليهما أيضا غير صحيح للفارق بينهما، ولأنه قياس في مقابل النص الدال على جوازه وإباحته.
5 - أن الاستدلال بالآية لتحريم الصيد لا يسلم؛ لأن المحرم إذا تحلل من إحرامه - وإن لم يكن الحل كله - فليس في الآية ما يدل على عدم إباحته بالتحلل. وحديث أم سلمة - كما تقدم - لم يستثن إلا النساء فقط، فيكون الصيد من الأشياء التي حلت بالتحلل الأصغر، وقياسه على النساء فيه بُعد ظاهر. (والله أعلم).
المبحث الثالث: طواف الوداع: :
يشرع للخارج من مكة أن يودع البيت العتيق بالطواف، كما شُرع له عند دخولها أن يبادر البيت بالطواف ليحييه، وأن يكون هذا الطواف آخر أعماله، ليكون وداعا له، ولهذه الأماكن المقدسة، بعد أداء هذه العبادة العظيمة وقضاء مناسكه، وقد كان الناس يصدرون بعد حجهم من كل مكان، فأمروا أن يكون آخر عهدهم بالبيت. فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ) لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت (.
وسأتناول في هذا المبحث معرفة حكمه، وعلى من يكون، ووقته، وماذا يلزم من خرج ولم يودع؟ وذلك في مطلبين:
المطلب الأول: حكم طواف الوداع، وعلى من يكون؟
سأتناول دراسة هذا المطلب في مسألتين:
المسألة الأولى: حكم طواف الوداع.
المسألة الثانية: على من يكون؟
مسألة: حكم طواف الوداع:
اختلف العلماء في حكم طواف الوداع على قولين:
القول الأول: أنه واجب، يجب بتركه دم، إلا أنه يعفى عن المرأة الحائض، والنفساء. وإلى هذا ذهب أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد في المشهور عنهما، وبه قال الحسن، والحكم، وحماد، والثوري، وإسحاق، وأبو ثور.
القول الثاني: أنه مستحب، لا يجب بتركه شيء. وإلى هذا ذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وداود، وابن المنذر.
الأدلة:
1 - استدل أصحاب القول الأول بما يلي:
1 - بحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: ) أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض (.
2 - وبحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ) لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت (.
وجه الاستدلال منهما من وجهين:
(أحدهما) قول ابن عباس رضي الله عنهم: (أمر الناس) دليل على أن الآمر هو رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر للوجوب، فدل ذلك على وجوب طواف الوداع، ونهيه عليه الصلاة والسلام الناس عن النفر حتى يطوفوا بالبيت، دليل على وجوبه أيضا.
(الثاني) أن تخصيص الحائض بإسقاطه عنها، دليل على وجوبه على غيرها، إذ لو كان ساقطا عن الكل لم يكن لتخصيصها معنى.
3 - قالوا: إن سقوطه عن الحائض لا يدل على عدم وجوبه على غيرها، كالصلاة تسقط عن الحائض، وهي واجبة على غيرها.
2 - واستدل أصحاب القول الثاني بما يلي:
1 - بحديث عائشة رضي الله عنها قالت: ) حاضت صفية بنت حيي بعد ما أفاضت فذكرت حيضتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أحابستنا هي؟ " فقلت: يا رسول الله، إنها قد كانت أفاضت، وطافت بالبيت، ثم حاضت بعد الإفاضة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلتنفر (.
وجه الاستدلال منه:
إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بأن الحائض تقيم حتى تطهر لطواف الإفاضة، وأن لها أن تنفر قبل الوداع، دليل على سقوطه عنها، وعلى عدم وجوبه، إذ لو كان واجبا لأمرت بالإقامة له، أو لوجب بتركه شيء.
2 - وقالوا: إن طواف الوداع، لتوديع البيت، فلم يكن واجبا كطواف القدوم تحية للبيت.
3 - وقالوا: إنه لو كان نسكا واجبا لاستوى فيه حال المعذور وغيره، والمقيم بمكة وغير المقيم بها، فلما لم يكن نسكا للمقيم والحائض يلزمهما بتركه دم، لم يكن نسكا لغيرهما، ولم يلزم بتركه دم.
الرأي المختار:
الذي أختاره هو ما ذهب إليه جمهور العلماء: أن طواف الوداع واجب، يجب بتركه دم، إلا أنه يعفى عن المرأة الحائض والنفساء. وذلك لما يلي:
1 - أن ما استدلوا به من أحاديث دالة على وجوبه، إذ فيها الأمر بأن يكون آخر عهدهم بالبيت، ونهيهم عن النفر إلا بعد الطواف، وذلك دليل الوجوب.
2 - أن سقوطه عن الحائض ليس دليلا على عدم وجوبه على غيرها، بل هو دليل على وجوبه على غيرها، إذ لو لم يكن واجبا على غيرها لما كان لتخصيصها معنى.
3 - أن القول بوجوبه، يستلزم وجوب الدم بتركه، لأن واجبات الحج تجبر بالدم. (والله أعلم).
مسألة: على من يكون طواف الوداع؟
سبقت الإشارة إلى أن طواف الوداع يشرع لكل خارج من مكة، سواء قيل بوجوبه أم باستحبابه، وسأتناول في هذه المسألة بعضا ممن اختلف العلماء هل يكون عليهم طواف الوداع كغيرهم أم لا؟ وهم:
- من أراد الإقامة بمكة.
- من كان منزله قريبا من مكة.
- المرأة الحائض.
- الطواف لغير الحاج.
فرع: من أراد الإقامة بمكة:
من أتى مكة لأداء المناسك لا يخلو إما أن يريد الإقامة بها، أو الخروج منها. ومن أراد الإقامة، إما أن ينوي الإقامة قبل النفر، أو بعده. فإن نوى الإقامة قبل النفر، فلا وداع عليه كالمكي، لأنه لا وداع إلا على من أراد الخروج من مكة. قال الكاساني: (فإن نوى الإقامة قبل أن يحل النفر الأول سقط عنه طواف الصدر، أي لا يجب عليه بالإجماع). أما إن نوى الإقامة بعد النفر، اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: أنه إن نوى الإقامة ولو بعد النفر فلا وداع عليه. وإلى هذا ذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وأبو يوسف.
القول الثاني: أنه إن نوى الإقامة بعد النفر فعليه الوداع وإلى هذا ذهب أبو حنيفة.
الأدلة:
1 - استدل أصحاب القول الأول بما يلي:
بحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ) لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت (.
وجه الاستدلال منه:
أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن ينفر أحد حتى يطوف للوداع، فدل ذلك على أن من أراد الإقامة، ولم يرد النفر فليس عليه أن يطوف للوداع.
2 - أن من أراد الإقامة بعد حل النفر فليس عليه طواف الوداع، كمن نوى الإقامة قبل حل النفر.
2 - واستدل أصحاب القول الثاني بما يلي:
أن من نوى الإقامة بعد أن حل النفر، لم يسقط عنه الطواف؛ لأنه وجب عليه بدخول وقته، فلا تؤثر نية الإقامة في رفعه.
الرأي المختار:
الذي أختاره هو ما ذهب إليه جمهور العلماء، أن من نوى الإقامة فلا وداع عليه وذلك لما يلي:
1 - أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن ينفر أحد من مكة حتى يكون آخر عهده بالبيت، فلا مدخل لنية الإقامة في الوجوب وعدمه؛ لأنه إنما يجب بالعزم على الخروج، فإذا انعدم العزم لم يجب.
لا فرق بين من نوى الإقامة قبل حل النفر وبعده؛ إذ كل منهما لم يتحقق منه النفر، فلم يجب عليهما. (والله أعلم).
فرع: من كان منزله قريبا من مكة:
اختلف العلماء القائلون بمشروعية طواف الوداع، وأنه يشرع لكل خارج من مكة، هل ذلك خاص بمن كان منزله بعيدًا عن مكة، أم يشمل أيضا القريب منها؟ وما حد القرب والبعد؟
القول الأول: أن طواف الوداع يشرع لكل خارج من مكة أو الحرم، إذا قصد منزله، أو الإقامة الطويلة بمكان ولو كان ذلك قريبا، كمن منزله بذي طوى، أو التنعيم. أما من خرج ليعود فإن كان المكان بعيدا كالجحفة، فعليه أن يودع، وإن كان المكان قريبا كالتنعيم والجعرانة مما هو دون المواقيت فلا وداع عليه.
إلى هذا ذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وأبو ثور.
القول الثاني: أن من دون المواقيت فهم بمنزلة أهل مكة لا وداع عليهم. وإلى هذا ذهب أبو حنيفة.
الأدلة:
1 - استدل أصحاب القول الأول بما يلي:
1 - بحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ) لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت (.
وجه الاستدلال منه:
1 - أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت، فدل ذلك على وجوب الطواف لكل خارج من مكة، ويستوي في ذلك القريب والبعيد.
2 - أنه خارج مكة فلزمه التوديع كالبعيد.
2 - واستدل أصحاب القول الثاني بما يلي:
- قالوا: إن هذا الطواف إنما وجب توديعا للبيت، لهذا يسمى طواف الوداع، وهذا لا يوجد في أهل مكة، لأنهم في وطنهم، وأهل داخل المواقيت في حكم أهل مكة، فلا يجب عليهم كما لا يجب على أهل مكة.
الرأي المختار:
الذي أختاره هو ما ذهب إليه الجمهور: أن طواف الوداع على كل خارج من مكة أو الحرم، لما يلي:
1 - أن عموم الأحاديث يتناول كل خارج من مكة، ويشمل ذلك القريب والبعيد 2 - أن الخارج من مكة مفارق للبيت، ويستوي في ذلك القريب والبعيد. (والله أعلم).
فرع: المرأة الحائض:
إذا حاضت المرأة قبل أن تطوف للوداع هل يلزمها أن تقيم بمكة إلى أن تطهر ثم تطوف للوداع أم لا يلزمها ذلك؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: أن المرأة إذا حاضت قبل أن تطوف للوداع، لا يلزمها أن تقيم لتودع، بل لها أن تخرج، ولا وداع عليها، ولا فدية. وإلى هذا ذهب عامة الفقهاء، من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار.
القول الثاني: أنه يلزمها أن تقيم بمكة إلى أن تطهر، ثم تطوف للوداع. وإلى هذا ذهب عمر بن الخطاب، وابن عمر، وزيد بن ثابت رضي الله عنهم.
الأدلة:
1 - استدل أصحاب القول الأول بما يلي:
1 - بحديث عائشة رضي الله عنها: ) أن صفية بنت حيي رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم حاضت، فذكرت ذلك لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: " أحابستنا هي؟ " قالوا: إنها قد أفاضت. قال: " فلا إذا ". وفي رواية: فلتنفر (.
وجه الاستدلال منه:
قول النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن علم أن صفية قد أفاضت: " فلا إذا " وقوله: " فلتنفر " دليل على أن المرأة الحائض لا تحبس لطواف الوداع كما تحبس لطواف الإفاضة، وأن لها أن تنفر من مكة من غير وداع، ولا شيء عليها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوجب عليها شيئا.
2 - وبحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: (أُمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض).
وجه الاستدلال منه:
إخبار ابن عباس رضي الله عنهما بأن الناس أُمروا بطواف الوداع إلا أنه خفف عن المرأة الحائض، دليل على أن المرأة الحائض ليست مأمورة كغيرها بطواف الوداع، وأن لها أن تنفر، ولا شيء عليها.
2 - واستدل أصحاب القول الثاني بما يلي:
1 - بحديث الحارث بن عبد الله بن أوس الثقفي قال: سألت عمر بن الخطاب عن المرأة تطوف بالبيت ثم تحيض؟ قال: (ليكن آخر عهدها الطواف بالبيت). فقال الحارث: (كذلك أفتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم) فقال: عمر رضي الله عنه: (أربت. عن يديك، سألتني عن شيء سألت عنه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لكيما أخالف).
وجه الاستدلال منه:
إخبار الحارث رضي الله عنه بأن الرسول صلى الله عليه وسلم أفتاه بما أفتاه به عمر رضي الله عنه بأن على الحائض أن يكون آخر عهدها بالبيت، دليل على وجوب طواف الوداع على المرأة الحائض.
2 - وبحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ) لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت (.
وجه الاستدلال منه:
أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن ينفر أحد حتى يطوف طواف الوداع، فدل ذلك على وجوبه على كل أحد حتى على المرأة الحائض.
3 - (وبفعله صلى الله عليه وسلم وأنه طاف للوداع قبل خروجه)، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ) خذوا عني مناسككم (.
وجه الاستدلال منه:
أمره صلى الله عليه وسلم الحجاج بأن يفعلوا في مناسكهم كفعله، وقد طاف صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للوداع، فدل ذلك على وجوبه على جميع الحجاج ومنهم الحائض.
3 - وبأثر عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: (لا يصدرن أحد من الحاج حتى يطوف بالبيت، فإن آخر النسك الطواف بالبيت).
الرأي المختار:
الذي أختاره هو ما ذهب إليه جمهور العلماء: أن طواف الوداع لا يلزم المرأة الحائض، وأن لها أن تنفر، ولا شيء عليها. وذلك لما يلي:
1 - أن قصة صفية رضي الله عنها، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم لها أن تنفر، دليل صريح صحيح، أن المرأة الحائض لا يلزمها أن تقيم لتطوف للوداع.
2 - أن ما روي عن زيد بن ثابت، وابن عمر رضي الله عنهم قد ثبت عنهما الرجوع عنه، فقد أخرج مسلم في صحيحه بسنده عن طاوس قال: (كنت مع ابن عباس إذ قال زيد بن ثابت: تفتي أن تصدر الحائض قبل أن يكون آخر عهدها بالبيت). فقال له ابن عباس: (إما لا فسل فلانة الأنصارية، هل أمرها بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟) فرجع زيد بن ثابت إلى ابن عباس يضحك، وهو يقول: ما أراك إلا قد صدقت).
وأخرج البخاري بسنده عن طاوس - أيضا - عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (رخص للحائض أن تنفر إذا أفاضت) قال: وسمعت ابن عمر رضي الله عنهما يقول: (لا تنفر)، ثم سمعته يقول بعد: (أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص لهن).
فهذا دليل على أنهما كانا يفتيان بذلك؛ لعدم علمهما بالرخصة للحائض، فلما علما بها رجعا عن قولهما، وكذلك رجع عمر رضي الله عنه عن قوله، فقد أخرج ابن حزم من طريق عبد الرزاق عن نافع قال: رد عمر بن الخطاب نساء من ثنية هرشى. كن أفضن يوم النحر، ثم حضن، فنفرن فردهن حتى يطهرن ويطفن بالبيت، ثم بلغ عمر بعد ذلك حديث غير ما صنع فترك صنعه الأول. (والله أعلم).
2 - أن حديث الحارث الثقفي رضي الله عنه إنما كان في أول الأمر، ثم رخص وخفف عن المرأة الحائض، وأذن لها بأن تنفر إن هي طافت للزيارة، كما أخبر بذلك ابن عباس رضي الله عنهما، ولم يعلم عمر رضي الله عنه ومن وافقه برخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقاموا على ما معهم من علم، ولو علموا بالرخصة لرجعوا عن قولهم كما رجع غيرهم - وقد تبين أنهم رجعوا -.
قال الطحاوي - رحمه الله - بعد أن أورد الآثار الدالة على الرخصة للحائض بترك طواف الوداع: (فهذه الآثار قد ثبتت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الحائض لها أن تنفر قبل أن تطوف طواف الصدر إذا كانت قد طافت طواف الزيارة قبل ذلك طاهرًا.
ورجع قوم إلى ذلك من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن كان قد قال بخلافه، فثبت بذلك نسخ هذه الآثار، لحديث الحارث بن أوس، وما كان ذهب إليه عمر من ذلك).
وذهب آخرون إلى أن حديث الحارث الثقفي، وإن كان ظاهره: أن النبي صلى الله عليه وسلم أفتاه بأن على الحائض أن يكون آخر عهدها بالبيت. فليس ذلك مرادا، بل مراده رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ) من حج البيت أو اعتمر، فليكن آخر عهده بالبيت ( واللفظ ظاهر في العموم، ثم سأل عمر عن صورة من صور العموم، فأفتاه بما يطابق العموم، ولم يعلما أن تلك الصورة مخصوصة من هذا اللفظ، يبين ذلك ما جاء في بعض طرق الحديث عن الحارث أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ) من حج البيت أو اعتمر، فليكن آخر عهده بالبيت ( فبلغ حديثه عمر، فقال له: خررت من يديك. سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم تخبرنا به.
فرع: طواف الوداع لغير الحاج:
اختلف العلماء - رحمهم الله تعالى - في طواف الوداع، هل هو خاص بالحاج فقط، أم هو لكل من أراد الخروج من مكة وإن كان من أهلها؟ على عدة أقوال:
القول الأول: أنه خاص بالحج، فمن دخل مكة حاجا فلا يخرج منها حتى يكون آخر عهده بالبيت. وإلى هذا ذهب أبو حنيفة، وأحمد في المشهور.
القول الثاني: أنه خاص بالنسك، فمن دخل مكة حاجا أو معتمرا فعليه أن يطوف للوداع. وإلى هذا ذهب الشافعي، والحسن، وابن حزم.
القول الثالث: أن طواف الوداع لكل خارج من مكة، ولو كان من أهلها، إذا قصد مسكنه، أو الإقامة الطويلة - ولو كان المكان قريبا - أو قصد مكانا بعيدا، ولو بنية العودة. أما إذا قصد التردد عليها، أو قصد مكانا قريبا بنية العودة، فلا وداع عليه. وإلى هذا ذهب مالك، والشافعي في الأصح، وهو المعتمد، وأحمد. الأدلـة:
1 - استدل أصحاب القول الأول بما يلي:
1 - بحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: (كان الناس ينفرون من منى إلى وجوههم، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون آخر عهدهم بالبيت، ورخص للحائض).
وجه الاستدلال منه:
إخبار ابن عباس رضي الله عنهما أن الناس كانوا ينفرون بعد فراغهم من الحج من منى، فأمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم أن لا ينفروا حتى يكون آخر عهدهم بالبيت، فدل ذلك على أن الوداع خاص بالحجاج دون غيرهم من المعتمرين أو المقيمين.
2 - وبفعله صلى الله عليه وسلم إذ طاف للوداع، وأمر به، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ) خذوا عني مناسككم (.
وجه الاستدلال منه:
طوافه صلى الله عليه وسلم للوداع، مع قوله: ) خذوا عني مناسككم ( دليل على أنه من مناسك الحج.
3 - وبأن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر أكثر من مرة، ولم يرو أنه طاف للوداع أو أمر به، فدل ذلك على أنه خاص بالحج.
4 - وبأثر عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: (لا يصدرن أحد من الحاج، حتى يطوف بالبيت، فإن آخر النسك الطواف بالبيت).
5 - وقالوا: إن معظم الركن في العمرة الطواف، وما هو معظم الركن في النسك لا يتكرر عند الصدر كالوقوف في الحج؛ لأن الشيء الواحد لا يجوز أن يكون معظم الركن في نسك، وهو بعينه غير ركن في ذلك النسك، ولأن ما هو معظم الركن مقصود، وطواف الصدر تبع، يجب لقصد توديع البيت، والشيء الواحد لا يكون مقصودا وتبعا.
وجه الاستدلال منه:
نهي عمر رضي الله عنه الحاج عن الصدور حتى يطوف بالبيت، وإخباره بأنه آخر المناسك، دليل على أن طواف الوداع من مناسك الحج.
2 - واستدل أصحاب القول الثاني بما يلي:
1 - بحديث الحارث الثقفي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ) من حج البيت أو اعتمر فليكن آخر عهده بالبيت (.
وجه الاستدلال منه:
أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الحاج والمعتمر بأن يكون آخر عهده بالبيت، فدل ذلك على أنه مرتبط بالنسك من حج أو عمرة.
2 - وقد يقال: بأن العمرة أحد النسكين، فيجب فيها ما يجب في الحج من الوداع عند الخروج.
3 - استدل أصحاب القول الثالث بما يلي:
1 - بحديث العلاء بن الحضرمي رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ) يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا (.
وجه الاستدلال منه:
إباحة النبي صلى الله عليه وسلم للمهاجر أن يقيم بمكة ثلاثا، بعد قضاء نسكه. وطواف الوداع إنما يكون آخر العهد بمكة، وسماه قبله قاضيا للمناسك، وحقيقته أن يكون قضاها كلها، فدل ذلك على أن طواف الوداع ليس من المناسك.
2 - أن المكي إذا حج ونوى الإقامة بوطنه، وكذا الآفاقي إذا حج ونوى الإقامة بمكة قبل النفر لا وداع عليه، فلو كان من جملة المناسك لعم الحجيج.
الرأي المختار:
الذي أختاره هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول: أن طواف الوداع خاص بالحاج إذا أراد الخروج من مكة. وذلك لما يلي:
1 - ما جاء من الأحاديث المطلقة الآمرة بأن يكون آخر عهد الناس بالبيت، قد بين حديث ابن عباس الآخر أن المراد بذلك الحجاج الذين كانوا ينفرون من منى، فإنهم المأمورون بذلك دون غيرهم.
2 - سقوطه عن المقيم، والحائض لا يستلزم أن يكون غير نسك؛ لأن طواف القدوم يسقط عن الحائض، ولا يلزم المقيم، وهو كما قال ابن جماعة: (من المناسك بلا شك).
3 - لا يشكل على هذا حديث العلاء، وإخبار النبي صلى الله عليه وسلم بأن الحاج قد قضى مناسكه قبل طواف الوداع؛ لأن المراد - والله أعلم - قضى أغلبها وأكثرها، أو يكون المراد: قضى المناسك المؤقتة كالوقوف، والمبيت، والرمي.
المطلب الثاني: وقت طواف الوداع، وما يلزم من خرج ولم يودع؟
سأتناول دراسة هذا المطلب في مسألتين:
المسألة الأولى: وقت طواف الوداع.
المسألة الثانية: ماذا يلزم من خرج ولم يودع؟
مسألة: وقت طواف الوداع:
إذا أراد أحد الخروج من مكة طاف للوداع، ليكون آخر عهده من تلك المناسك والأماكن بالبيت، كـما يودع المسافر إخوانه وأهله إذا أراد مفارقتهم، لقوله صلى الله عليه وسلم ) لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت (.
وإن قضى حاجة في طريقه، أو اشترى زادا أو شيئا لنفسه في طريقه، لم يعده؛ لأن ذلك ليس بإقامة تخرج طوافه عن أن يكون آخر عهده بالبيت.
وكذا إن اشتغل بأسباب الخروج كحزم الأمتعة، وإعداد الرواحل.
أما إن اشتغل بعده بغير أسباب الخروج كتجارة، أو إقامة، فهل عليه إعادة الطواف مرة أخرى؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: أن عليه الإعادة. وإلى هذا ذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وبه قال عطاء، والثوري، وأبو ثور، وأبو يوسف، والحسن، وابن حزم.
القول الثاني: إذا طاف للوداع، أو طاف تطوعا بعد طواف الزيارة، أجزأه عن طواف الوداع، وإن أقام شهرا أو أكثر. وإلى هذا ذهب أبو حنيفة. وأشهب من المالكية.
الأدلـة:
أ - استدل أصحاب القول الأول بما يلي:
1 - بحديث ابن عباس رضي الله عنهما: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت.
2 - وبحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ) لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت (.
وجه الاستدلال منهما:
أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يكون آخر العهد الطواف بالبيت، فمن أقام بعد طوافه لم يكن آخر عهده الطواف بالبيت، فدل ذلك على أنه يلزمه إعادة الطواف مرة أخرى.
3 - وقالوا: إذا أقام بعد الطواف، خرج أن يكون طوافه وداعا، فلم يجزئه، كما لو طاف قبل حل النفر.
2 - واستدل أصحاب القول الثاني بما يلي:
1 - بالأحاديث السابقة.
وجه استدلالهم منها:
قالوا إن المراد بالحديثين أن يكون آخر عهده بالبيت نسكا، لا إقامة، والطواف آخر مناسكه بالبيت، وإن تشاغل بغيره.
2 - وبأثر عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: ) لا يصدرن أحد من الحاج، حتى يطوف بالبيت، فإن آخر النسك الطواف بالبيت (.
وجه الاستدلال منه:
إخبار عمر رضي الله عنه أن الطواف آخر المناسك، دليل على أنه ينبغي أن يكون آخر المناسك، ولو أقام بعده.
الرأي المختار:
الذي أختاره هو ما ذهب إليه جمهور العلماء: أن من أقام بعد طواف الوداع، أو اشتغل بعده بغير أسباب الخروج، فعليه إعادة الطواف مرة أخرى؛ لما يلي:
1 - أن المراد بالأحاديث أن يكون آخر العهد بالبيت، أي: لمن أراد الخروج من مكة وعدم الإقامة بها، ويدل على ذلك أيضًا: قول ابن عباس رضي الله عنهما: ) كان الناس ينصرفون في كل وجه (. فحمل ذلك على أن المراد أن يكون آخر العهد بالبيت نسكا، فيه بعد ظاهر.
2 - أن الإقامة بعد الطواف، تخرجه عن أن يكون آخر العهد بالبيت، وأن يكون توديعا له؛ لأن الوداع إنما يكون عند إرادة المفارقة. (والله أعلم).
مسألة: ماذا يلزم من خرج ولم يطف للوداع؟
سبقت الإشارة إلى أن على من أراد الخروج من مكة، ألا يخرج منها حتى يكون آخر عهده بالبيت، فإن خرج ولم يطف لجهل أو خطأ أو غير ذلك، فإن زال ذلك السبب فلا يخلو حاله من أحد أمرين:
أ - إما أن يكون قريبا.
ب - إما أن يكون بعيدا.
(أ) فإن كان قريبا: ولم يمنع من رجوعه مانع كفوات رفقة أو مال، فإن عليه أن يعود، ويطوف ثم يخرج، ولا شيء عليه، بلا خلاف بيـن العلمـاء، سـواء من قـال بوجوبه أو باستحبابه، فقد أخرج مالك عن يحيى بن سعيد: (أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رد رجلا من مر الظهران - لم يكن ودع البيت - حتى ودع)، فإن لم يرجع، فعليه دم، على القول بوجوبه؛ لأنه ترك واجبا من واجبات الحج، ويستوي في ذلك العمد والخطأ، والعلم والجهل، والعذر وعدمه.
(ب) أما إن كان بعيدا: فلا يلزمه الرجوع إلى مكة ليطوف، وعليه دم - على القول بوجوبه - لتركه واجبا من واجبات الحج.
فإن رجع، فهل يسقط عنه الدم أم لا؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: أنه يسقط عنه الدم؛ لأن الواجب عليه الطواف، وقد أتى به، فلم يجب عليه بدله كالقريب. وإلى هذا ذهب أبو حنيفة، والشافعية في وجه، وجعله الموفق ابن قدامة احتمالا.
القول الثاني: أنه لا يسقط عنه الدم؛ لأنه استقر عليه، فلم يسقط برجوعه كمن تجاوز الميقات غير محرم، فأحرم دونه ثم رجع إليه. وإلى هذا ذهب الشافعية في الأصح، وأحمد.
واختلفوا في حد القرب والبعد على أقوال:
القول الأول: القريب: هو الذي بينه وبين مكة دون مسافة القصر. والبعيد: من بلغ مسافة القصر. وإلى هذا ذهب الشافعي، وأحمد.
القول الثاني: القريب: ما دون المواقيت، والبعيد: ما جاوز المواقيت. وإلى هذا ذهب أبو حنيفة، ومالك القول الثالث: القريب: من كان في الحرم، والبعيد: من خرج عنه. وإلى هذا ذهب الثوري.
الرأي المختار:
سبق أن المختار: وجوب الدم بترك طواف الوداع، والذي أختاره في هذه المسألة هو الرأي الأول: أن من رجع ليطوف للوداع، سقط عنه الدم؛ لأنه أتى بالواجب، فلم يجب عليه بدله. كمن تجاوز الميقات، ثم رجع إليه فأحرم منه، فلا شيء عليه.
وأن حد القرب والبعد، مسافة القصر فما كان دونها فهو قريب، وما جاوزها فهو بعيد؛ لأن مسافة القصر حد منضبط، بخلاف المواقيت فإنها متفاوتة في البعد. (والله أعلم).
الخاتمة
بعد هذه الدراسة للمباحث والمسائل التي اشتمل عليها هذا البحث يمكن إبراز أهم نتائجه فيما يلي:
1 - أن الطواف في الاصطلاح هو: الدوران حول الكعبة على صفة مخصوصة.
2 - أن الطواف حول الكعبة، مشروع بالكتاب والسنة والإجماع، بل هو من العبادات المشروعة في الأمم السابقة.
3 - أن الطواف حول غير الكعبة، كالأضرحة والقبور لا يجوز بل هو من أخطر الذنوب، فهو داخل في دائرة الشرك الأكبر إذا كان تعظيما لصاحب القبر، وتقربا إليه.
4 - أن جملة أنواع الطواف المتعلقة بالمناسك ثلاثة: طواف القدوم، وطواف الإفاضة، وطواف الوداع.
5 - أن طواف القدوم للمعتمر هو طواف العمرة، فطواف عمرته يجزئ عن طواف القدوم، فلا يشرع له أن يطوف للقدوم قبل العمرة، ولا بعدها، وهذا الطواف في العمرة ركن من أركانها بالإجماع.
6 - أن المتمتع كالمعتمر طوافه الأول لعمرته، ويجزئ عن طواف القدوم، فلا يشرع له طواف للقدوم لا قبل الوقوف بعرفة ولا بعدها.
7 - أن المفرد والقارن يشرع لهما طواف القدوم إذا دخلا مكة قبل الوقوف بعرفة، أما إذا لم يدخلاها إلا بعد الوقوف بعرفة، فإن طواف القدوم يسقط عنهما، أو يجزئ عنه طواف الإفاضة.
8 - أن طواف القدوم سنة، وليس بواجب، فلا يجب بتركه دم.
9 - أن القارن إنما يلزمه طواف واحد لحجه وعمرته كالمفرد.
10 - أن طواف الإفاضة ركن من أركان الحج بالإجماع، فلا يتم الحج إلا به.
11 - أن أفضل الأوقات لطواف الإفاضة، ضحى يوم النحر، اتباعا للسنة. وخروجا من الخلاف.
12 - أن وقت طواف الإفاضة يبدأ من منتصف ليلة النحر، وليس له وقت ينتهي إليه، بل يمتد إلى ما بعد شهر ذي الحجة، ولا يجب بتأخيره دم.
13 - أن الأولى ترتيب أعمال يوم النحر بأن يرمي، ثم ينحر، ثم يحلق، ثم يطوف اتباعا للسنة، وخروجا من الخلاف، لكن لو قدم الإفاضة على أعمال ذلك اليوم، صح طوافه، ولا شيء عليه.
14 - أن طواف الوداع واجب، يجب بتركه دم، إلا أنه يعفى عن المرأة الحائض والنفساء، فلها أن تنفر ولا شيء عليها.
15 - أن طواف الوداع إنما هو للخارج من مكة ولو كان منزله قريبا، فمن نوى الإقامة بها فلا وداع عليه.
16 - أن طواف الوداع خاص بالحاج، فلا يلزم المعتمر، ولا المكي.
17 - أن من أقـام بعـد طـواف الوداع، أو اشتغـل بغير أسبـاب الخروج، فعليه إعادة الطواف مرة أخرى، ليكون الطواف آخر عهده بالبيت.
18 - أن من خرج ولم يطف للوداع، فإن كان قريبا، ولم يشق عليه الرجوع، رجع للوداع ولا شيء عليه. وإن كان بعيدا، أو يشق عليه الرجوع، لم يلزمه الرجوع، وعليه دم، فإن رجع فلا شيء عليه.
19 - أن حد القرب والبعد، مسافة القصر، فما كان دونها فهو قريب وما جاوزها فهو بعيد.
والله أعلم. والحمد لله الذي بحمده تتم الصالحات، والصلاة والسلام على المبعوث بخاتم الرسالات وعلى آله وصحبه.

منقول للفائدة

_________________


نصر المولى جاي

صامدين ما نرتضي بيع الوطن  

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://b-a-2-7.almountadayat.com/
المدير العام
المدير العام
المدير العام


4461

البطاقة البيرقية
الرتبة: 1
الجنسية: فلسطيني

مُساهمةموضوع: رد: أنواع الطواف وأحكامه   الإثنين فبراير 11, 2013 4:43 am

بارك الله فيك

_________________




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://b-a-2-7.almountadayat.com
 
أنواع الطواف وأحكامه
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات بيرق الحق الاسلامية :: بيرق الحق الاسلامي :: بيارق النصر :: مواضيع متنوعة-
انتقل الى: